SHARE

قد أكون أكثر مشجع للميلان ساند مباي نيانج ودافع عن اخطائه وسذاجته (في بعض الأحيان)، لكن الفرنسي ذو الاصول السنغالية ربّما استنفذ جميع الفرص التي منحت له من قبل مونتيلا وجميع المدربين اللذين سبق له اللعب تحت ادارتهم بألوان ميلان.
محور الحديث هنا ليس نيانج تحديداً، بل كيف يجب أن تدار مشاريع الشباب التي تبنّاها الروسونيري منذ مغادرة اساطيره ونجومه دفعة واحدة نهاية موسم 2012\2013.

استطاع جالياني الحصول على بطاقة نيانج مع بداية الميركاتو التالي لخروج اساطير ميلان الجماعي بالمجان، ثمّ بدأ الاعتماد اكثر على الموهوب الايطالي ستيفان كريم الشعراوي القادم قبل موسم واحد فقط من جنوى، ثمّ استغل خلافات بالوتيلي المتكرّرة مع روبرتو مانشيني في السيتي ليقتنصه بسعر أقل بكثير ممّا يمتلك الملقّب بسوبر ماريو ذلك الوقت، نسبة لامكانياته وطاقاته الهائلة، والتي قيل أنّها تحتاج للرعاية والتوجيه، لا اكثر.

وأتذكر جيّداً تعليقات النقّاد حينها على أنّ الميلان قد ضمن خط هجومه لعشر سنوات قادمة على الأقل، لكن الحقيقة اظهرت أن ادارة جالياني لمشروع الشباب ذلك لم تتعدَ فكرة تكديس اللاعبين منتهيّ العقود والمشاغبين في انديتهم السابقة (شباباً وشيباناً)، فخسر ثلاثي هجومه الشابّ (لأسباب مختلفة) وخسر معهم الكساندر باتو الذي استمر يعاني من تبعات ومشاكل بدنية بدا لنا أنّ لا نهاية لها.

ثم استقدم الميلان عدد لا بأس من اللاعبين الشباب، سواء على مستوى تصعيد شباب النادي أو بالشراء، سابونارا مثلاً، كريستانتي وبيتانيا من بريمافيرا الروسونيري، فيرجارا في الدفاع ورفيقه رودريجو ايلي، وقبل كل هؤلاء ماتيا دي شيليو الموهوب الذي تمّ تشبيه بداية مسيرته بمسيرة القائد التاريخي في ميلان؛ باولو مالديني.

ومع استمرار تصريحات جالياني حول مشروع الشباب ذلك الوقت، بدأت الصحافة تفتح ملفات المواهب الشابّة التي فرّط بها الميلان قبل تبنّي فكره الجديد بسنوات قليلة، منهم اوباميانج ودارميان واستوري وأحدثهم الكساندر ميركل رفقة البيرتو بالوسكي، والفرنسي الموهوب جوركوف، وعديد اللاعبين الآخرين.

لكن لا بأس، فبالإمكان دائماً البدء من جديد؛ هذا كان لسان حال جميع المشجعين في ذلك الوقت.

مع ذلك؛ فإن الميلان لم ينجح بالبدء من جديد لأسباب بسيطة، وربّما دقيقة بعض الشيء، فلو استعرضنا الاسماء الشابّة التي تمّ ذكرها سابقاً، فالقليل منهم فقط من حصل على فرصة كافية لتقييم مستواه، والقليل جداً من كشف عن امكانات مميزة تؤهله للاستمرار مع الفريق، ومع ذلك لم يستمر.

فأين الخلل؟ وما الذي كان من الممكن اضافته لهذا المشروع لينجح منذ بداياته؟

في ميلان جالياني نحن حتى نفتقد لأبجديات تسيير فريق كرة قدم كبير، فمن غير المعقول أن تقتل موهبة كريستانتي بالتعاقد مع مونتاري وايسيان في وجود مونتوليفو، ومن غير المعقول أن يبقى سابونارا يبحث عن فرصة في ظل استعادة كاكا والتعاقد (التجاري) مع هوندا، ومن غير المعقول التفريط بالشعراوي لمنافس مباشر فقط لأنّه لم يتطور تقنياً (في عمر صغير)، أمّا عن خوسيه ماوري مثلاً؛ فلماذا تتم اعارته وأنت لم تكن تملك في مركزه سوا مونتوليفو، على اساس ان لوكاتيلي لم يكن قد تم اكتشافه بداية الموسم، امّا بالوتيلي فهل كان متوقّعاً منه بهذه العقلية ان لا يتكبّر على الفريق ويعود لممارساته الصبيانية في ظل عدم وجود بديل يشعره بأنّ مركزه الأساسي في خطر؟!

قبل كل ذلك، اذا اردت مشروعاً ناجحاً في الاعتماد على الشباب، فيجب عليك ايجاد نمط لعب خاص يناسب افكار المدير الفني للفريق الاول، وتعميمه على الفئات السنية الخاصة بالفريق كاملة، حتى يتشرّب الشبّان اسلوب الفريق الأول ولا يُصدمون به عند التصعيد، ففي الفئات السنيّة يتسّم الاداء بالاعتماد على المهارات الفردية لبعض اللاعبين ونوع من الفوضى التكتيكية إن قارنتها بالفريق الأول في أغلب اندية العالم؛ بطبيعة الحال هذا يحتاج للاستقرار الفني لجميع الفئات حتى تصل الفريق الأول، ويحتاج ايضاً لمشروع مبني على افكار مدرب واحد قادر على اتخاذ القرار الفني بشكل منفرد، وله صلاحيات في توجيه ميركاتو الفريق على حسب احتياجات الفريق، لا على اساس جمع اللاعبين منتهيّ العقود والزائدين عن حاجة انديتهم، أيضاً ستحتاج لأكثر من مجرد شخص واحد لإدارة اسواق شراء وبيع اللاعبين، فأين يا ترى خليفة اريدو بريدا في ميلان؟!

ايضاً البيئة الداخلية للفريق تحتاج لأن تتغيّر حين تعتمد على الشباب، فليس دي شيليو بمالديني ولا رومانيولي بنستا ولا دوناروما هو بوفون، وليس لوكاتيلي البيرتيني.
نعم قد يكشف اللاعب عن امكانيات ممتازة او اسلوب لعب مميز يتشابه مع اسلوب واحد من الاساطير، لكن ليس بالضرورة تحميله عبء قميص الميلان المخيف منذ نعومة اظفاره، فجميعنا شاهد التوتر الواضح على لوكاتيلي وكيف ادى لحصوله على بطاقتين صفراوين في مباراة مهمة امام يوفنتوس في الكأس، في وقت تألّق نفس اللاعب في ذهاب الدوري أمام نفس الخصم، حين لم يكن مطالباً الا بالقيام بدوره في المباراة، لكن حين تبدا المطالبات بأن يكون اللاعب بطلاً (في هذا العمر) فإنّه سيبدأ في الانهيار الفني والنفسي، دوناروما أيضاً تراجع مستواه بشكل ملفت بعد الضغط الاعلامي وشائعات الانتقال، عدا عن التمجيد المستمر الذي يبدو أنّه قد انسانا أنّهم بشر معرضون للخطأ، وبما أنّهم شبّان في مقتبل المسيرة المهنية، فإنّ من حقّهم ان يخطئوا ليتعلموا.

في تصريح سابق للسير اليكس فيرجسون امتدح فيه طريقة تعامل اليونايتد مع ابناء الفريق، قال ما معناه: “هنا يصبر الجميع على ابناء النادي بطريقة لا يجدها اي لاعب شاب في اي نادٍ آخر، الجميع يدعمون ابناء النادي بدءاً بالجماهير وحتى الموظفين”.

بمعنى؛ لا شكّ بأنّ الميلان في عيون الجماهير يبقى هو الميلان ولا يتوقعون منه أن يكون مكاناً لاحتمال سذاجة بعض اللاعبين، لكن لو اخذنا نيانج كمثال حي على تبنيّ الميلان لهذه السياسة، فأنا أرى أنّ نيانج هو اللاعب الوحيد من بين كل هؤلاء الشباب الذي تمّ التعامل معه بطريقة تناسب هذا النهج، فمن حق اللاعب الشابّ ان يخطئ ويتعلم من الخطأ، ومن حقّه ان يجد الدعم الفني بعد ان يقوم بالخطأ، لا أن تقوم عليه الصحافة والجماهير حين يرتكب هذه الاخطاء، وحين يستنفذ اللاعب ما لديه من قدرة ذهنية او فنية (وهذا طبيعي في مثل هذا السن)، تتم اعارته لنادٍ يجد فيه فرصة لتغيير الاجواء وايجاد تعامل تقني ونفسي مختلف، ولربّما يُحدث الامر فارقاً، وفي اعارته السابقة لجنوى خير توضيح.

ماذا لو لم يته الكثير من شباب الميلان في فوضى الاعارات التي يكون الهدف منها توفير الرواتب قبل ضمان مساحة اللعب للاعب المعار؟! ماذا لو لم يكدّس جالياني اللاعبين الكهلة (منتهيّ العقود) في طريق اللاعبين الشبّان؟!
فبيتانيا مثلاً يقوم بأدوار فنية وتكتيكية في اتالانتا لا نجد لها مثيلاً في ميلان، فليس لدينا رأس الحربة القادر على اراحة الاجنحة واستقبال الكرة كمحطة بناء للعب الهجومي.

دي شيليو واصل اللعب في الفئات السنية للميلان كقلب دفاع، إلى أن تمّ تصعيده للفريق الأول فقد تمّ توظيفه كظهير، ثمّ تبدأ الانتقادات الموجهّة للاعب على ضعف مساهمته الهجومية، نظراً لمستواه الدفاعي الجيد جداً.

في رأيي، الميلان بهذه الادارة يعتمد على العشوائية في استعارة وشراء اللاعبين، ثمّ العشوائية المطلقة في سوء تسويقهم؛ بالتالي فوضى البيع الخاسر والاعارات الفاشلة. ولو كانت لدى الادارة خطة واضحة لمشروع الشباب، لما وصل الحال الى بيع الفريق بكل هذه التفاصيل المملّة والغامضة، وإن لم يتم البيع، فهذا يعني استمرار التخبّطات الفنية واقالات المدربين، تحت شعار مشروع الشباب الذي يضمن لهم تبرير عدم شراء اللاعبين.

ثمّ أنّ الاستقرار الفني سيضمن لك المضي بأفكار مدرب واحد، لا أن تعاني من اختلاف العقليات في كل موسم، فسوسو وباليتا اللذان اعيرا تحت ادارة ميهايلوفيتش، ها هما اليوم يصبحان ركيزتان مميزتان لدى مونتيلا، ولا مفر من حاجة فريق مونتيلا لجناح مميز بمواصفات وخصائص ستيفان شعراوي الذي اوصي بالتخلّص منه تحت ادارة ميهايلوفيتش نفسه، هذا لا يعني بالضرورة أنّ تجربة الصربي كانت سيئة في الميلان، فهو المدرب الوحيد الذي نجح في توظيف طاقات نيانج رفقة باكا لخدمة الفريق، وهو الذي قدّم لميلان مونتيلا الكثير من العمل على دوناروما رومانيولي وبونافنتورا وكوتشكا، وهو الذي اعاد الدافع والرغبة والقتالية لأداء مونتوليفو، هذا يعني أنّنا امام حالة حقيقية من عدم الاستقرار الفني الذي تتسبب به الادارة أولاً وأخيراً.

خلاصة القول، على ادارة الفريق وجماهيره أن تتقّبل فكرة أن هذا الميلان ليس أكثر من فريق متوسط المستوى، وأنّ عليهم الصبر على اخطاء الشباب وتحسينها نحو الافضل، أو تعود الادارة (الحالية او القادمة) لفتح خزائنها وشراء لاعبين سوبر لاكمال المشروع او الاستعاضة عنه بالكامل.

عدا عن أنّني لا زلت أرى بأنّ سيدورف هو المدرب الأمثل لهكذا مشروع، فإنّ مونتيلا في رأيي قادر على تعويض ما فات الميلان وادارته في حال وجد دعماً كافياً وصلاحيات كاملة.

LEAVE A REPLY